
التقابل في الديمقراطية وفي الحوار لا يعني التضاد، ولا يُفهم منه الصراع الذي يُفضي إلى الإلغاء أو الإقصاء، بل هو في جوهره صورة من صور التكامل الذي تتعاضد فيه القوى، وتتوازن به الآراء، وتُصان من خلاله المصلحة العامة.
وسأحاول - راجيًا التوفيق - أن أُجلّي بعض المفاهيم التي اختلطت في أذهاننا، فكانت سببًا في اضطراب الفهم، وسوء تنزيل مبادئ الديمقراطية على واقعنا.
ولعلّ أول ما يجبُ تصحيحه هو ذلك التصوّر القاصر الذي يجعل من الحرية بابًا للفوضى، ومن المساواة ذريعةً لمحو الفوارق الطبيعية بين الناس .
فالحرية في الديمقراطية ليست انفلاتًا من كل قيد، ولا خروجًا على الضوابط ، وإنما هي حرية مسؤولة، مؤطَرة بالحوار المنضبطِ ، ومضبوطة بالقيم، تتيح للإنسان أن يُعبّر عن رأيه دون أن يعتدي على حقوق غيره، أو يُسيء إلى مقاماتٍ تستوجب التوقير.
ولنعلم كذلك أن المساواة أمام القانون لا تعني التسوية بين المختلفين في القدر أو العلم أو الفضل، وإنما تعني خضوع الجميع لحكم القانون دون محاباة أو تمييز، مع بقاء الفروق التي تفرضها سنن الحياة وطبائع البشرالأزلية .
ومن الأخطاء الشائعة كذلك، الاعتقاد بأن المعارضة تمرّدٌعلى كل ذي فضل، وإسقاطُ الهيبة عن كل ذي مكانة وأن تلك سمة المثقفين .
وهذا خلطٌ بيّنٌ بين حق ممارسة النقد البناء والتوْقِ للتغيير الذي هو قيمة نبيلة، وبين هدم معايير التقدير والاحترام، وهو مسلك يفضي إلى الفوضى القيمية، وانهيار السلم الاجتماعي.
وكأنّ عنادَ السلطة وعدمَ الإذعان لها فضيلةً في ذاته وليُصبحَ التوقير عيبًا يُستنكر، بدل أن يكون خلقًا يُحمد.
إنّ المجتمع الذي يُمسك عن إعطاء ذوي الفضل حقّهم من التقدير، إنما يُضعف في أفراده دافعَ السعي إلى التميّز، ويُطفئ جذوة الطموح في نفوسهم.
ومن هنا، كان إنصاف العظماء، وتقدير جهود المصلحين، وجليل أعمالهم جزءًا من بناء القيم، وترسيخ معاني الخير في المجتمع.
غير أنّ هذا التقدير لا يعني العصمة، ولا يقتضي التغاضي عن الأخطاء الجسيمة، بل يظلّ النقد البناء حقًّا مشروعًا، ما دام بعيدًا عن التجريح والتشهير.
وإذا نظرنا إلى الأمم التي سبقتنا في التجربة الديمقراطية، وجدناها تُحسن -في الغالب -إبراز سير عظمائها، وتُضفي عليهم من صفات العظمة ما يتجاوز الواقع، لا من باب الكذب المتَعمّد، بل لتحفيز الأجيال على فهم قيمة الرَمزِ في بناء الأمم.
أما نحن، فكثيرًا ما نقف موقفًا متردّدًا، فنغالي في هيبتهم أو نهضمهم حقهم’ وبين الإفراط في التمجيد، والتفريط في التقدير نقع في الخطأ .
إنّ العظمة لا تُنال بالسلطة وحدها، ،ولا تصنعها المعارضاتُ وإنما تتمُ بالمودّة، وحسن المعاملة، وكياسة القول، والعمل الصادق من أجل الخير العام.
كما أنّ من الحكمة الاجتماعية أن يُتغاضى عن بعض الزلات اليسيرة، خاصةً إذا صدرت عن حداثة سنّ أو قلّة تجربة، مع توجيه أصحابها وتقويمهم.
وإذا نحن عدنا إلى مفهوم التقابل في الديمقراطية، وجدناه لا يُحيل إلى ثنائية الصواب والخطأ، أو الخير والشر، بل إلى ثنائيةٍ وظيفية، يُكمّل فيها كلّ طرفٍالطرفَ الآخر.
فالأغلبية والمعارضة ليستا خصمين متناحرين، بل شريكين في إدارة الشأن العام، يختلفان في الرأي، لكنهما يلتقيان في غاية خدمة المجتمع وتحقيق مصالحه .
ويتمثل ترابط العلاقة بين الأغلبية والمعارضة بجناحي الطائر؛ فلا يستطيع أن يحلّق بجناحٍ واحد، ولا أن يستغني عن أحدهما.
كذلك الديمقراطية لا تستقيم بوجود طرفٍ واحد، بل تحتاج إلى هذا التوازن الدقيق، الذي يتيح تبادل الأدوار، بحيث تُصبح المعارضة أغلبيةً إذا حازت الثقة ، وتتحوّل الأغلبية إلى معارضةٍ إذا فقدت تلك الثقة.
وعليه، فإنّ التقابل في الديمقراطية هو تقابل تكاملٍوتتْميمٍ، لا تقابل تنافرٍ وتضادٍ ،هو إذا اختلافٌ يُثري، لا خلافٌ يُفني؛ وتنوّعٌ يُقوّي، لا انقسامٌ يُضعف.
فإذا أحسنّا فهم هذا المعنى، وأحسنّا تنزيله في واقعنا، استطعنا تشييدَ ديمقراطيةً ناضجة، تصون القيمَوتُعلي من شأن الإنسان، وتُوازنُ بين الحرية والمسؤولية، وبين النقد والتقدير، في انسجامٍ يُثمر التقدّم والاستقرار ويعملُ علي إنجاحِ الحوارِ أي حوار.



.jpeg)

.jpeg)