معركة الإصلاح في موريتانيا بين إرادة التغيير ومقاومة الحرس القديم

تمرّ موريتانيا اليوم بمرحلة مفصلية من تاريخها السياسي، حيث تتقاطع فيها طموحات الإصلاح مع تحديات الواقع، وتتصادم إرادة البناء مع بقايا منظومة تقليدية رسّخت لعقود طويلة أنماطاً من الفساد وسوء التسيير. وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، يبرز دور الوزير الأول المختار ولد اجاي، كأحد أبرز الوجوه التي تتحمل مسؤولية الدفع بعجلة التنمية، وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة.

إن الحديث عن الإصلاح في موريتانيا لا يمكن فصله عن الإرث الثقيل الذي خلفته مراحل سابقة، حيث تراكمت اختلالات عميقة شملت مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية. فقد عرفت البلاد فترات طغى فيها منطق الامتيازات، وتم خلالها تهميش الكفاءة لصالح الولاءات، وانتشرت فيها مظاهر الفساد المالي والإداري، من تبذير المال العام، إلى منح الصفقات والرخص بطرق غير شفافة، وصولاً إلى إضعاف المؤسسات الرقابية.

وفي ظل هذا الواقع، نشأت طبقة من المستفيدين، أو ما يمكن تسميته بـ”الحرس القديم”، الذين راكموا النفوذ والثروة في بيئة يغيب فيها الحساب والمساءلة. هذه الفئة لم تكن مجرد جزء من الماضي، بل ظلت حاضرة، تحاول التأثير في مسار الحاضر، وتقاوم كل محاولة جادة للإصلاح، خاصة حين بدأت الدولة في إعادة النظر في منظومة الامتيازات التي كانت تمنح دون وجه حق.

ومن هنا، يمكن فهم طبيعة الهجوم الذي يطال اليوم بعض رموز السلطة التنفيذية، وفي مقدمتهم الوزير الأول، إذ لا ينفصل هذا الهجوم عن محاولات عرقلة مسار الإصلاح. فكل خطوة نحو الشفافية، وكل قرار يستهدف ترشيد الإنفاق أو ضبط الموارد، يُنظر إليه من قبل هذه الفئة على أنه تهديد مباشر لمصالحها.

غير أن ما يميز المرحلة الحالية، هو وجود إرادة سياسية واضحة لدعم هذا المسار، تتجلى في دور رئيس الجمهورية، الذي جعل من محاربة الفساد أحد أبرز محاور برنامجه الانتخابي “تعهداتي”. فالرئيس لا يكتفي برفع الشعارات، بل يعمل على توفير الغطاء السياسي الضروري لرجاله في الحكومة، حتى يتمكنوا من تنفيذ الإصلاحات دون خوف أو تردد.

إن حماية المسؤولين الذين يسعون إلى تطبيق برنامج الإصلاح تُعد عاملاً حاسماً في نجاح أي تجربة تحول. فحين يشعر المسؤول بأن هناك دعماً سياسياً حقيقياً من أعلى هرم السلطة، يصبح أكثر جرأة في اتخاذ القرارات الصعبة، وأكثر قدرة على مواجهة شبكات المصالح التي تحاول تعطيل العمل. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن التناغم بين رؤية الرئيس وأداء الحكومة يمثل ركيزة أساسية في معركة بناء الدولة.

كما أن تركيز الرئيس على محاربة الفساد لا يقتصر على الجانب الخطابي، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى إعادة الاعتبار لقيم النزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. وهو ما ينعكس بدوره على أداء الحكومة، التي تجد نفسها مطالبة بتحقيق نتائج ملموسة، تترجم هذه التوجهات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

ومع ذلك، فإن الطريق نحو الإصلاح ليس مفروشاً بالورود. فالتحديات كبيرة، والمقاومة شرسة، خاصة من قبل أولئك الذين فقدوا امتيازاتهم، ولم يعودوا قادرين على التأثير كما في السابق. هؤلاء يسعون، عبر مختلف الوسائل، إلى التشكيك في الجهود المبذولة، وإثارة الرأي العام، أملاً في إبطاء عجلة التغيير أو إفراغها من مضمونها.

لكن الرهان الحقيقي يبقى على وعي المواطن، الذي أصبح أكثر إدراكاً لطبيعة هذه الصراعات، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد البناء الذي يخدم المصلحة العامة، وبين الحملات التي تحركها دوافع شخصية أو مصالح ضيقة. فنجاح أي مشروع إصلاحي لا يعتمد فقط على إرادة القيادة، بل أيضاً على دعم المجتمع، واستعداده لتحمل كلفة التغيير في المدى القصير، من أجل جني ثماره في المستقبل.

في الختام، تقف موريتانيا اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم مسارها، وبناء نموذج تنموي قائم على الشفافية والعدالة. وبين إرادة الإصلاح التي يقودها الرئيس وتنفذها الحكومة، ومقاومة الحرس القديم، تبقى الكلمة الفصل للشعب، الذي يملك وحده القدرة على ترجيح كفة المستقبل على حساب الماضي.

باب ولد سيداعمر ولد العالم
نائب رئيس حزب النضال من أجل العدالة والتنمية

اثنين, 18/05/2026 - 12:58