
يطرح كبير الباحثين في مركز الجزيرة للدراسات السياسية لقاء مكي في نقاشات الجزيرة اليومية سؤالاً واحداً تدور حوله كل ٱرائه : هل إيران عدو العرب أم أن إسرائيل هي العدو وحدها ؟ وهذا تقريبا هو نفس السؤال السؤال الذي كان فؤاد الخطيب يطرحه تقريبا في صحيفة القبلة سنة 1916 أي، هل الدولة العثمانية هي عدو العرب، أم أن العدو الحقيقي هو بريطانيا التي تحاربها وتريد إخراجها من المشرق؟
كانت جريدة القبلة هي لسان حال الشريف حسين، وكانت تصدر في مكة في خضم الثورة العربية ضد العثمانيين، وقد استفادت من الدعم البريطاني، حيث كانت بريطانيا، التي تقود الحرب ضد الدولة العثمانية، تعمل على تثوير العرب واستثمار طموحاتهم القومية لإضعاف خصمها؛ وحين انتهت الحرب، ظهرت حقيقة التحالف في اتفاقيات سايز بيكو و تقاسم النفوذ والانتداب، في أطار ماعرف يومئذ بتقسيم تركة الرجل المريض، ثم تم إخضاع فلسطين للحكم البريطاني وفتح الطريق أمام تنفيذ وعد بلفور.
لم يكن فؤاد الخطيب عميلا بريطانياً، بل كان شاعراً ومثقفاً عربياً مسلماً، حمل خطاب الثورة إلى الجمهور العربي، وحمل عبر صحيفة القبلة وعود النهضة والكرامة والاستقلال؛ وهنا تحديدا تكمن خطورة الدور الذي يؤديه المثقف حين يختزل الصراع في خصم مجاور قريب، ويغفل عن القوى الكبرى التي تنتظر سقوط ذلك الخصم لتعيد رسم المنطقة وفق مصالحها.
.
إن التاريخ لا يعيد نفسه بالصورة ذاتها، لكنه يعيد اختبار الشعوب بالأسئلة نفسها؛ ومن لم يتعلم من تجربة تفكيك الدولة العثمانية، ومن الكوارث التي أعقبت إسقاط العراق عام 2003، قد يجد نفسه مرة أخرى يصفق لإضعاف قوة إقليمية، ثم يستيقظ على ميزان قوى أكثر اختلالا، وعلى عدو أكثر قوة ونفوذا.
إن النقاش العربي يتحول اليوم إلى حملة متواصلة لتصوير إيران بوصفها الخطر الأول على العرب، بينما تتراجع إسرائيل إلى مرتبة ثانوية أو يجري التعامل معها كأنها تفصيل في صراع إقليمي أوسع، ولهذا لسنا أمام خلاف في التحليل أو تفوق في الخبرة والمعلومات، بل أمام إعادة إنتاج منطق تاريخي قديم يتلخص في تعبئة العرب ضد قوة إقليمية، ثم تركهم يكتشفون متأخرين أن القوى التي شجعتهم على المواجهة كانت ترسم مستقبل المنطقة لمصلحتها هي
لقاء مكي هو فؤاد الخطيب بشحمه ولحمه، وإن اختلفت الأسماء وتغيرت الأزمنة. فضرب قوة إسلامية باسم العروبة هو جرثومة الضياع العربي التي أخرجت العرب من التاريخ وحرمت عليهم العودة إليه حتى الآن.
تلك هي المعضلة التي تستحق أن تُطرح، لا بوصفها سجالا عابرا على شاشة تلفزيونية، بل بوصفها سؤالا عن موقع العرب في التاريخ، وعن الأسباب التي تجعلهم سادرون في خدمة مشاريع الغرب ثم يتساءلون بعد ذلك عن ضياعهم.
ليس ضرورياً أن يكون المثقف عميلاً يتلقى الأوامر حتى يؤدي خطابه وظيفة تخدم استراتيجية قوة أجنبية؛ يكفي أن يتطابق ما يروّج له مع ما تريد تلك القوة تحقيقه، وأن يعجز او يغمض عينيه عن رؤية النتائج التي ستترتب على انتصارها.
لقاء مكي ظاهرة ربما متكررة في اللحظات الحاسمة من التاريخ العربي وهو لا يختلف عن فؤاد الخطيب في شيء، سوى أن. الأول يتحدث في عصر الفضائيات، والثاني كتب في زمن الصحافة الورقية؛ لكن المقارنة تقوم على وظيفة واحدة: وضع قوة إقليمية مسلمة وجارة في قفص الاتهام أمام الجمهور العربي، حتى تصبح مواجهتها هي القضية المركزية، ويصبح السؤال عن المستفيد من إضعافها سؤالاً ثانوياً أو غير مرغوب فيه.
إن إيران ليست فوق النقد، وسياساتها العربية تستحق النقاش ولكن السؤال اليوم هو، من سيملأ الفراغ إذا خرجت من المعادلة قوة اسلامية كبرى تماما كما حدث للامبراطورية العثمانية؟ ومن سيستفيد من انهيار توازن القوى الذي كان يحد من حرية الحركة الإسرائيلية؟ وهل سيصبح العرب، بعد هذه الهزيمة ان وقعت لا سمح الله أكثر قدرة على تأمين أنفسهم و حماية فلسطين، أم أكثر عجزاً عن التأثير في مصيرها؟
هنا تتجلى المأساة التي لم يتعلم منها العرب ما يكفي؛ فقد قاتلوا الدولة العثمانية، وانتهت الحرب وهزم الاتراك وو وجدت بريطانيا وفرنسا نفسيهما في موقع المنتصر الذي يقرر مصير المشرق، ثم لم يحصل العرب على الوحدة التي حلموا بها، ولم تتحقق الوعود التي حركتهم ، بينما تحولت فلسطين إلى قضية استعمار وانتداب.. ثم سلمت لاسرائيل لتتحول إلى مأساة مستمرة



.jpeg)

.jpeg)