حين تتحول الحماية إلى عبء: من يدفع ثمن إسمنت موريتانيا؟

في النقاش الدائر حول سياسة حماية مصانع الإسمنت، لم يعد الخلاف تقنيًا بحتًا بين أنصار “الدولة الحامية” وأنصار “السوق الحرة”، بل أصبح سؤالًا اجتماعيًا مباشرًا: من يدفع الثمن؟ المواطن الموريتاني الذي يشتري طن الإسمنت بحوالي 60 ألف أوقية قديمة، أم المنتج الذي يحتمي بسياسة حمائية تقيه المنافسة؟
من حيث المبدأ، تُعدّ سياسة حماية الصناعات الناشئة (Protection des industries naissantes) أداة مشروعة في الفكر الاقتصادي، لكن بشرط أن تكون مؤقتة ومشروطة. غير أن ما نشهده أقرب إلى حماية دائمة تُفرغ هذا المفهوم من محتواه، وتحوله إلى آلية لإنتاج الريع الاقتصادي (Rente économique) بدل بناء تنافسية حقيقية.
الفارق السعري الصارخ بين السوق المحلي (حوالي 60 ألف أوقية قديمة للطن) وسعر الاستيراد المحتمل من الجزائر (في حدود 18 ألف أوقية قديمة) لا يمكن تفسيره فقط بعوامل النقل أو اللوجستيك. هذا الفرق الكبير يعكس في جوهره اختلالًا في بنية السوق، حيث تضعف المنافسة وتتعزز ممارسات الاحتكار أو التركز السوقي (Concentration du marché). وفي مثل هذه الحالات، لا يعود السعر نتيجة لتوازن العرض والطلب، بل نتيجة لقدرة فاعلين محدودين على فرضه.
المدافعون عن الوضع القائم يستندون إلى حجة التشغيل، متحدثين عن 3000 وظيفة. لكن التحليل الاقتصادي لا يقف عند الأرقام المطلقة، بل ينظر إلى الكلفة الفرصية (Coût d’opportunité): كم فرصة عمل نخسر بسبب ارتفاع أسعار الإسمنت؟ قطاع البناء، الذي يُعد من أكبر مولدات الوظائف، يتأثر مباشرة بكلفة هذه المادة الأساسية. وكل ارتفاع في السعر يعني تباطؤ المشاريع، تقليص الاستثمارات، وحرمان آلاف العمال من فرص كان يمكن أن تخلقها طفرة عمرانية محتملة.
بمعنى أوضح، نحن أمام مفارقة: نحمي عددًا محدودًا من الوظائف المباشرة، بينما نُعيق خلق عدد أكبر من الوظائف غير المباشرة في الاقتصاد ككل. وهذا يتعارض مع مبدأ النجاعة الاقتصادية (Efficacité économique) التي تقتضي توجيه الموارد نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الحماية دون شروط صارمة يشجع على ما يُعرف بـالكسل التنافسي (Manque d’incitation à la compétitivité)، حيث لا تجد الشركات نفسها مضطرة لخفض التكاليف أو تحسين الجودة، طالما أن السوق مغلق جزئيًا أمام المنافسين. وهنا تتحول الحماية من أداة دعم إلى عائق هيكلي يكرّس التخلف الإنتاجي.
الانحياز هنا، بوضوح، يجب أن يكون للمواطن. ليس بدافع عاطفي، بل انطلاقًا من منطق اقتصادي صريح: خفض أسعار مدخلات البناء يحرّك سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية. عندما يصبح الإسمنت في متناول الجميع، تتوسع مشاريع السكن، تنتعش المقاولات الصغيرة، ينشط النقل، وتُخلق قيمة مضافة في عدة قطاعات. هذا ما يُعرف بتأثيرات الانتشار القطاعي (Effets d’entraînement).
هل يعني ذلك الدعوة إلى فتح السوق بشكل فوضوي؟ لا. لكن يعني، على الأقل، كسر الحلقة الاحتكارية عبر فتح جزئي ومدروس للاستيراد، وربط أي حماية مستقبلية بشروط أداء واضحة: خفض تدريجي للأسعار، شفافية في التكاليف، واستثمارات حقيقية في تحسين الإنتاجية.
في النهاية، لا يمكن تبرير أن يدفع المواطن ثلاثة أضعاف السعر الممكن في سوق إقليمية مفتوحة، فقط للحفاظ على وضع غير تنافسي. فالدولة، في دورها كمنظم، مطالبة بضمان توازن عادل بين المنتج والمستهلك، لا ترجيح كفة على حساب أخرى بشكل دائم.
الاقتصاد ليس مجرد حساب أرباح وخسائر لفئة محدودة، بل هو قبل كل شيء توزيع عادل للكلفة والمنفعة داخل المجتمع. وعندما تصبح الحماية عبئًا، فإن مراجعتها لم تعد خيارًا، بل ضرورة.

محمد عبد الله أحمدو احبيب 
اقتصادي ومالي

خميس, 23/04/2026 - 17:39