شكَّل توزيع المناصب عبر حلقات عائلية مغلقة أحد أهم مظاهر الفساد. لذلك، كان أي مسؤول يُختار بناءً على مكانته الاجتماعية، التي هي في الحقيقة امتداد غير مباشر لشرعنة إنفاق المال العام على المقربين، لضمان ولائهم.
في لحظة مفصلية من تاريخ هذا الوطن المكلوم، تلوح بارقة أمل في الأفق بعد أن أصدر رئيس الجمهورية توجيهاته الصريحة بتنفيذ ما ورد في تقرير محكمة الحسابات، في خطوة تُعد بمثابة إعلان رسمي لبداية مسار جاد في مواجهة الفساد، الذي نخر مفاصل الدولة، وأثقل كاهل المواطن، وعمق هوة الفوارق الاجتماعية.
قرأتُ قبل أيام، مثل غيري من الموريتانيين، تعليقا منشورا على موقع الأخبار يعزى لنقيب المحامين الأستاذ بونه ولد الحسن يبرر فيه الخطوة التي أقدم عليها رئيس المحكمة العليا، والمتمثلة في التعبئة والحشد السياسي بمناسبة زيارة رئيس الجمهورية لولاية الحوض الشرقي بالقول أنه لايوجد نص قانوني يمنعه من ذلك!
دولة تملك ما تملك من مقدرات وخيرات، وتتعاقب عليها نفس النخب في السلطة منذ العام 2000 وحتى 2025، لا تزال بعد ربع قرن كامل تنتج 615 ميغاوات فقط من الكهرباء.
فأي تنمية يُراد لنا أن نصدقها؟ وبأي وجه يمكن لأي مسؤول أن يزعم أنه ليس جزءًا من منظومة الفساد التي أوصلتنا إلى هذا الانسداد؟
في كل حقبة من التاريخ، تطلّ علينا وجوهٌ تختبئ خلف قناع “الحقوق” و”العدالة”، وهي في حقيقتها لا تمتُّ إليهما بصلة. أشخاصٌ نصّبوا أنفسهم أوصياء على الضمير الإنساني، وراحوا يجوبون العواصم يروّجون لروايات مزيفة، ويدّعون الدفاع عن المظلومين، بينما هم أول من يتاجر بمظالم الناس وأحزانهم.
لا خلاف أن هناك معيقات حقيقة تعترض سبيل أي عملية تطهير إداري شامل تستهدف التخلص من الفساد ومرتكبيه. ومن تلك العقبات محاولة بعض المفسدين الاختباء خلف ما يمكن أن نطلق عليه "لعبة التغلغل والمصالح". ولكي تتضح الصورة يجب أن يتم تحديد هذه المصطلحات أولا بأول.
تصريحات النائب بيرام الداه اعبيد التي يطالب فيها رئيس الجمهورية بالاستقالة مقابل "حمايته" عند وصوله إلى السلطة لا تمت للواقع بصلة فهي أقرب إلى الهذيان السياسي وأحلام اليقظة منها إلى الخطاب الجاد والمسؤول.
▪ فالدولة ليست مسرحا للابتزاز الشخصي
▪والشرعية لا تُمنح بوعود وهمية ولا تُسحب بخطابات استعراضية
ليست هذه هي المرة الأولى التي تُنشر فيها تقارير محكمة الحسابات؛ فمنذ 2019 والمحكمة تنشر تقارير بعضها شمل جزءا من الفترة الانتقالية (2005 -2007) و البعض الآخر تناول جزءا من فترات الحكامة التي أعقبت ذلك.